ثقافة

كيف اتعامل مع شخصية انعزالية؟

طالما ترددت على مسامعنا أوصاف ونعوت نطلقها بلا مبالاة على الشخص الانطوائي أو الانعزالي كما يحلو للبعض تسميته؛ فنصفه بغريب الأطوار، أو الساذج، أو غير المفهوم. حقيقة الأمر أنه ليس كذلك

··تحديث 25 غشت 2026·10 دقائق قراءة
 شخصية انعزالية
شخصية انعزالية تصوير إيمان صابر — مجلة فكتوريا

طالما ترددت على مسامعنا أوصاف ونعوت نطلقها بلا مبالاة على الشخص الانطوائي أو “الانعزالي” كما يحلو للبعض تسميته؛ فنصفه بغريب الأطوار، أو الساذج، أو غير المفهوم. حقيقة الأمر أنه ليس كذلك. نرى في صمته شيئاً غامضاً لا يشبهنا، يجعلنا نبحث حوله عما يفسر لنا سبب صمته وهدوئه واتزانه. إنه ذاك الصامت الذي بصمته يثير انتباه الجميع؛ الصمت الرهيب الذي يريحه ويشكل عالمه، ويدخلنا في دوامة من التساؤلات، فيستفز فضولنا إلى أبعد نطاق.

إن “الانطوائية” (Introversion) هي طبيعة شخصية صحية تستمد طاقتها من الهدوء، وليست مرضاً يحتاج لعلاج، في حين أن مصطلح “الانعزالي” هو الحكم القاسي الذي يطلقه المجتمع. هو بالفعل يبدو مختلفاً، لكن العيب ليس في اختلافه، بل في عجز مجتمعاتنا عن تقبل هذا الاختلاف. فما قيمتنا كبشر إن لم يكن لكل فرد منا ما يميزه؟ لماذا مجتمعاتنا لا تقبل الأقليات أو الاختلاف؟ أظن العيب فينا وعلينا إصلاح أنفسنا قبل كل شيء. علينا أن نعي أنه لكل فرد منا، سواء كان مختلفاً أو يشبهنا، حقاً علينا صون كرامته واحترامه، وتقبله كما هو بيننا. إن فعلنا سنكون قد ساهمنا في بناء مجتمع واحد متماسك ومترابط، لا نترك أبداً فرداً منا على الحافة؛ بل يجد كل واحد منا مساحة تساعده أن يكون مواطناً صالحاً لنفسه ولأسرته ومجتمعه، وفضاءً منفتحاً ومشجعاً للمواهب ومواكباً للطاقات.

نحتاج لمن ينمي مهاراتنا، لا من يقصينا لأسباب اجتماعية، عرقية، أو دينية، لأن إقصاء الأقليات لا يعود على أحد بالنفع، بل ينعكس سلباً على وحدتنا وازدهار معيشتنا. نحن داخل هذه المساحة تشبه خلية نحل؛ لكل منا لونه وشكله وخصوصيته. تفردنا بذواتنا واشتركت مقاصدنا داخل الخلية؛ لكل منا دوره، يكمل أحدنا الآخر. شيء تجيده أنت وأجهله أنا فأحتاجك، وشيء آخر أجيده وتجهله فتطلبه مني. وفي ذلك من قول الله تعالى في سورة الزخرف (الآية 32): ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. إن الاختلاف يكون نعمة لا نقمة إن أحسنا استغلاله.

ذاك الصامت الغريب، وحيداً جالساً يقلب بصره هنا وهناك، من شدة خجله اكتفى بالوحدة رفيقاً؛ لا يكلم أحداً ولو استطاع لفعل. يهاب مجالسة الغرباء، لا يعرفهم ولا يثق فيهم بسرعة. قد يحاول التقرب من أحدهم، يتقدم خطوة ثم خطوة، ثم يتوقف فجأة يضع يده على قلبه بنبضات متسارعة، ليعود أدراجه إلى عزلته بر أمانه، حيث يتمنى ألا يلحظ أحد وجوده.

تمر الساعات وهو سارح بخياله بعيداً عن ضجيج المحيط. يتأمل وجوه المارة، يتفحص ملامحهم ويحلل تصرفاتهم. قد يكون في تلك اللحظة يلقي نظرة ثاقبة على بقعة في حذائك لم تلحظها أنت، أو يراقب أزرار قميصك التي ربطتها على عجل. هو ببساطة يجول في عالمه الخاص، يلامس حقائق لا يمكننا بلوغها دون تأمل وعزلة.

هذا الشخص رقيق وحساس عكس ما يبدو عليه. يستمتع بحياته منشغلاً بأفكاره، وليس في ذلك سذاجة أو بلادة، بل إن في هدوئه ما يثبت تفوقه الذهني وترفعه عن صغائر الأمور. ورغم خلوته، فهو مسالم لا يؤذي أحداً، لكننا بفضولنا المفرط ومحاولاتنا اقتحام عالمه بقسوة نعكر صفوه. وكثيراً ما يكون عرضة لتنمر مجتمعي جارح، ظناً منا أننا نخرجه من قوقعته، بينما نحن لا نزيد سوى من حدة التوتر بيننا وبينه. دائماً ما ينتظر صديق أحلامه، ملاكاً يحن عليه فيبسط جناحيه له، ينتشله من ظلمات الوحدة إلى أنس الصديق. فهل يا ترى يجده؟ إن لم يجد، شغل نفسه بعلم ومعرفة، فكما يقال: “خير جليس في الأنام كتاب”.

لا أحاول تشجيعكم على عزله وتركه وحيداً تماماً كما يريد، بل إن رد فعلنا حياله يكون قاسياً؛ ففي حالات عدة يكون عرضة للتنمر والإهانات التي نتفوه بها ولا نأبه لها، إلا أنها تكون جارحة لشخص مثله، ظناً منا أننا بذلك تفوقنا عليه. بل على العكس، قد يكون أشد صلابة نفسية منا لأنه لا ينتظر رضا أو إعجاب أحد، ومستغنٍ تماماً عن رأي المجتمع به. وأنا طبعاً لا أعمم، فالتعميم لغة الجهلاء.

بدلاً من ذلك، إن كان ينتابك فضول حوله، اكسب وده أولاً، واكتشف عالمه الجميل. ولا أظن أنه سيردك خائباً ما دمت طيباً ورقيقاً في معاملتك معه؛ لأنه حتى لو حاولنا الاختلاء بذواتنا، سنبقى بشراً اجتماعيين بطبعنا ولو اختلفت أطوارنا. لا يمكننا العيش بمعزل عن من نحبهم، وعن مجتمع يحتاجنا ونحتاج إليه.

خلاصة القول، يبقى الكتاب أفضل صديق؛ فهو الجليس الذي إن لم ينفعك لن يؤذيك، ليس كبعض رفاق السوء الذين تضيع معهم أجمل أيامنا دون إفادة، إنما أحاديث فارغة وخرجات تسلية لا تعود بالنفع. لذلك وجب علينا دائماً حسن انتقاء الصديق، لأن الصحبة ساحبة، وصدق من قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».

التعليقات

أكمل القراءة

مجتمع
كيف تختار توجهك الدراسي ولا تندم عليه أبدا؟
25 غشت 2026•5 دق

كيف تختار توجهك الدراسي ولا تندم عليه أبدا؟

في كل مرحلة من حياتنا نكون مجبرين على اتخاذ قرارات حتمية و مصيرية بمفردنا، نتحمل مسؤوليتها. تغير حياتنا للأفضل إن أحسنا الاختيار، أو طريقا نندم عليه حيث لا ينفعنا الندم.

بقلم إيمان صابر

انضم إلى مجتمعنا

بفضل انضمامك تحصل على ميزة تمكنك من الحصول على أحدث المقالات أسبوعيا مباشرة على بريدك.

ألغ اشتراكك بكل سهولة